محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

46

كشف الأسرار النورانية القرآنية

فهذا معنى قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ( 4 ) [ البلد : الآية 4 ] ويظهر منه أنه لابد للإنسان من البعث والقيامة ؛ لأن الحكيم الذي دبر خلقه الإنسان إن كان مطلوبه منه أن يتألم فهذا لا يليق بالرحمة ، وإن مطلوبه أن لا يتألم ولا يلتذ ففي تركه على العدم كفاية في هذا المطلوب وإن كان مطلوبه أن يلتذ فقد بينا أنه ليس في هذه الحياة لذة ، وأنه خلق الإنسان في هذه الدنيا في كبد ومشقة ومحنة فإنه لا بدّ بعد هذه الدار من دار أخرى ؛ لتكون تلك الدار دار السعادات واللذات والكرامات . « المقالة الحادية عشر » في قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) [ الحج ] . اعلم أن هذه الاستدلال لتقلب الإنسان في أدوار الخلقة وأكوان الفطرة مراتب وهي سبعة : ( المرتبة الأولى ) : قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) [ المؤمنون : الآية 12 ] . السلالة الخلاصة ؛ لأنها تسل من بين الكدر فعالة ، وهو بناء يدل على القلة كالقلامة والقمامة ، واختلف أهل التفسير في الإنسان فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل - رضي اللّه عنهم - : المراد منه آدم عليه السّلام ، فآدم سل من الطين ، وخلقت ذريته من ماء مهين . وقوله : ثُمَّ جَعَلْناهُ [ المؤمنون : الآية 13 ] . الكناية راجعة إلى الإنسان الذي هو ولد آدم ، والإنسان شامل لآدم عليه السّلام ولولده ، وقال آخرون : الإنسان هاهنا ولد آدم والطين هاهنا اسم آدم - عليه السّلام - والسلالة هي الأجزاء الطينية المبثوثة في أعضائه التي لما اجتمعت في أوعية المني صارت منيا ، وهذا التفسير مطابق لقوله تعالى : وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ [ السّجدة : الآية 7 ] ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين وفيه وجه آخر وهو أن الإنسان إنما يتولد من النطفة ، وهي إنما تتولد من الدم بواسطة الخصيتين والدم إنما يتولد من « الكيلوس » ، والكيلوس إنما يتولد من « الكيموس » ، وهو إنما يتولد من الأغذية نباتية كانت أو حيوانية ، وهذه تنتهي إلى نباتية ، والنبات إنما يتولد من صفوة الأرض والماء ، فالإنسان بالحقيقة يكون متولدا من سلالة من طين ، ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردت عليها أطوار